الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

57

نفحات الولاية

القسم الثالث : ليس كمثله شيء « وَمَنْ قالَ « فِيمَ » فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، وَمَنْ قالَ « عَلامَ » ؟ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ . كائِنٌ لا عَنْ حَدَثٍ ، مَوْجُودٌ لا عَنْ عَدَمٍ ، مَعَ كُلِّ شيء لا بِمُقارَنَةٍ ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لا بِمُزايَلَةٍ ، فاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْحَرَكاتِ وَالْآلَةِ ، بَصِيرٌ إِذْ لا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، مُتَوَحِّدٌ إِذْ لا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ » . الشرح والتفسير لقد تعرض الإمام عليه السلام في هذا القسم من الخطبة إلى عدّة نقاط حساسة ودقيقة بشأن مباحث التوحيد بكلمات قليلة ومعان عميقة يمكن إيجازها في خمس : 1 - كون الذات الإلهية المطلقة منزهة عن المكان ، فقد قال عليه السلام : « ومن قال فيم ؟ فقد ضمنه » . فالكلمة ( في ) إنّما تستعمل بشأن المكان الذي يحوي الشيء ويحيط به ، من قبيل قولنا فلان في الدار ، والورد في البستان وما إلى ذلك ، ونتيجة ما تقدم هو محدودية ذاته سبحانه ، بينما أشرنا سابقاً إلى أنّ كافة أدلة التوحيد تفيد كون الذات المقدسة مطلقة من جميع الجهات . وهكذا من سأل « علام » بشأن اللَّه ؟ ( على العرش ، على الكرسي ، على السماوات ) فقد حده لأنه أخلى منه سائر المواضع « ومن قال علام ؟ فقد أخلى منه ) . فمثل هذه الأسئلة تستلزم كون الذات القدسية محدودة ، وهذا مالا ينسجم وكونه واجب الوجود . وبناءً على هذا فكل من تصوره على العرش أو على السماوات أو أي مكان آخر فقد جرد نفسه من التوحيد الخالص ، وفي الواقع فانّه يعبد مخلوقاً من نسج خياله الفكري ويسميه اللَّه . فقد ذهب بعض الجهال إلى